الشيخ محمد رشيد رضا

59

الوحي المحمدي

الفصل الثالث في شبهة منكري عالم الغيب على الوحي الإلهى وتصويرهم لنبوة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم بما يسمونه الوحي النفسي خلاصة رأى هؤلاء الماديين : أن الوحي إلهام كان يفيض من نفس النبي الموحى إليه لا من الخارج ، ذلك أن منازع نفسه العالية وسريرته الطاهرة ، وقوة إيمانه باللّه وبوجوب عبادته وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة ، يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلى في ذهنه ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا عليه من السماء بدون وساطة ، أو يتمثل له رجل يلقنه ذلك يعتقد أنه ملك من عالم الغيب ، وقد يسمعه يقول ذلك ، وإنما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة ، كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الأنبياء ، فكل ما يخبر به النبي كلام ألقى في روعه ، أو عن ملك ألقاه على سمعه ، فهو خبر صادق عنده . يقول هؤلاء الماديون : نحن لا نشكّ في صدق محمد في خبره عما رأى وسمع وإنما نقول : إنّ منبع ذلك من نفسه ، وليس فيه شئ جاء من عالم الغيب الذي يقال إنه رأى عالم المادة والطبيعة ، الذي يعرفه جميع النّاس ؛ فإنّ هذا ( الغيب ) شئ لم يثبت عندنا وجوده ، كما أنّه لم يثبت عندنا ما ينفيه ويلحقه بالمحال ، وإنما تفسير الظواهر غير المعتادة بما عرفنا وثبت عندنا دون ما لم يثبت . ويضربون مثلا لهذا الوحي : قصة « جان دارك » الفتاة الفرنسية التي قررت الكنيسة الكاثوليكية قداستها بعد موتها بزمن ، وهذا التصوير الذي يصوّرون به ظاهرة الوحي قد سرت شبهته إلى كثير من المسلمين المرتابين الذين يقلدون هؤلاء الماديين في نظرياتهم المادية أو يقتنعون بها . وإنني أفتتح الكلام في إبطال هذه الصورة الخيالية بالكلام على ( جان دارك ) فقد ألقى إلى سؤال عنها نشرته مع الجواب عنه في صفحة 788 من المجلد السادس من المنار ( سنة 1321 ) وهذا نصه :